الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإن النظر إلى عورة الغير محرم في الأصل، فلا يجوز للرجل أن ينظر إلى عورة رجل آخر، ولا للمرأة أن تنظر إلى عورة رجل، إلا عند وجود حاجة أو ضرورة معتبرة، كالعلاج والتداوي ورعاية المريض، ويكون النظر حينها بقدر الحاجة.
أما مسألة هل هذا الفعل من الكبائر أو الصغائر ففيها تفصيل عند أهل العلم، وقد صرّح بعض العلماء بأن النظر المحرم إلى العورات من الكبائر، بينما لا تنطبق عليه بعض الضوابط التي ذكرها العلماء لتعريف الكبيرة. ولذلك لا ينبغي للمسلم أن يتساهل في هذا الذنب أو يقلل من شأنه.
أولًا: ما عورة الرجل؟
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن عورة الرجل ما بين السرة والركبة، واستدلوا بأحاديث منها قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«الفخذ عورة».
وقد جمع العلماء بين الأحاديث الواردة في هذا الباب بوجوه متعددة، وذكر ابن القيم رحمه الله أن العورة منها ما هو مغلظ ومنها ما هو مخفف، وأن الفخذ داخل في العورة.
وعليه، ينبغي للمسلم أن يحرص على ستر عورته، وألا يتعمد كشفها أمام الآخرين.
ثانيًا: هل يجوز النظر إلى عورة الرجل؟
الأصل أنه لا يجوز النظر إلى عورة الغير.
وقد نقلت الموسوعة الفقهية اتفاق الفقهاء على تحريم النظر إلى عورة الغير، مع استثناء الزوجين، وكذلك الحالات التي تدعو إليها ضرورة أو حاجة معتبرة، مثل العلاج والتداوي ورعاية المريض.
فإذا احتاج الطبيب إلى النظر إلى موضع من العورة من أجل التشخيص أو العلاج، جاز له ذلك بقدر الحاجة، ولا يتوسع فيما زاد عليها.
وهذا يدخل في القاعدة الفقهية:
ما أبيح للحاجة أو الضرورة يُقدّر بقدر الحاجة.
فلا يصح أن تتحول الحاجة إلى مبرر للنظر فيما لا تدعو إليه.
ثالثًا: هل يشترط وجود الشهوة حتى يحرم النظر؟
لا.
فالنظر إلى عورة الغير محرم في الأصل حتى مع عدم وجود الشهوة، لأن العورة مأمور بسترها، والنظر إليها ممنوع.
أما إذا انضم إلى النظر شهوة أو خوف فتنة أو تعمد واستمرار، فإن الأمر يكون أشد من جهة الإثم والخطر.
ولهذا لا ينبغي للمسلم أن يجعل غياب الشهوة مبررًا للتساهل في النظر إلى العورات.
رابعًا: ماذا عن مشاهدة صور العورات أو مقاطع الفيديو؟
الحكم لا يختص بالمشاهدة المباشرة فقط.
فإذا تعمد الإنسان مشاهدة صورة أو مقطع يظهر عورة شخص آخر، فإن هذا يدخل في النهي عن النظر إلى العورات، خصوصًا إذا كانت المشاهدة بقصد التلذذ أو الإثارة أو الاستمرار في المشاهدة.
وتزداد خطورة الأمر إذا كانت المشاهدة عبر الإنترنت تؤدي إلى زيادة انتشار المحتوى المحرم؛ لأن المشاهدة والتفاعل قد يسهمان في رفع انتشاره ووصوله إلى الآخرين.
ولهذا ينبغي للمسلم ألا يبحث عن مثل هذه المواد أو يتعمد مشاهدتها.
خامسًا: هل النظر إلى عورة الرجل من الكبائر؟
هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل.
وضع العلماء ضوابط متعددة لتعريف الكبائر، ومن أشهر ما ذكر: الذنب الذي ورد فيه حد في الدنيا أو وعيد خاص في الآخرة، كالنار أو الغضب أو اللعنة أو العذاب.
وبعض أهل العلم عدّ النظر المحرم إلى العورات من الكبائر، خصوصًا إذا كان النظر بشهوة أو مع خوف الفتنة.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يكون السؤال عن كونه كبيرة أو صغيرة سببًا للتساهل في الفعل.
فحتى الذنب الذي يكون من الصغائر قد يشتد أمره بسبب الإصرار والتهاون والاستخفاف بالمعصية.
وقد نُقل عن ابن عباس رضي الله عنهما:
«لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار».
والمقصود أن الاستمرار على المعصية والإصرار عليها والاستهانة بها أمر خطير.
لذلك لا يصح أن يقول الإنسان: "إن كان مجرد صغيرة، فلا بأس أن أكررها."
سادسًا: النظر إلى العورات ليس على درجة واحدة
النظر إلى العورات قد يختلف في الإثم بحسب القصد والكيفية والظروف والآثار المترتبة عليه.
فمن رأى العورة فجأة من غير قصد ثم صرف بصره، ليس كمن تعمد النظر والاستمرار فيه.
ومن نظر لحاجة علاجية معتبرة وبقدر الحاجة، ليس كمن نظر بقصد التلذذ.
ومن تعمد البحث عن صور العورات ومقاطعها ومشاهدتها بشكل متكرر، ليس كمن وقع بصره عليها مصادفة.
ومن أخطر الصور أن يتعمد الإنسان التجسس على عورات الناس أو النظر إليهم دون علمهم.
ولهذا جاءت الشريعة بالنهي عن التجسس وانتهاك خصوصيات الناس.
سابعًا: ماذا عن التجسس على الناس والنظر إلى ما لا يريدون كشفه؟
هذا من أشد صور الاعتداء على خصوصية الآخرين.
وقد ثبت في صحيح البخاري وصحيح مسلم أن رجلًا اطلع على النبي صلى الله عليه وسلم من حجرة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحك رأسه بمدرى، فقال:
«لو أعلم أنك تنظر، لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر».
وجاء كذلك الوعيد الشديد فيمن يتطلع إلى بيوت الناس بغير إذنهم.
وهذا يدل على أن حفظ البصر وخصوصية الناس أمر عظيم في الشريعة، وأن الإنسان لا يملك أن يتعمد الاطلاع على ما ستره الناس عنه.
ثامنًا: من يتحمل الإثم إذا كشف شخص عورته أمام الناس؟
إذا تعمد شخص كشف عورته أمام الآخرين من غير عذر معتبر، فإنه يأثم على فعله.
أما الشخص الذي ينظر إليه متعمدًا، فإنه يأثم أيضًا بسبب النظر المحرم.
فلا يجوز لمن كشف عورته أن يحتج بأن الآخرين هم الذين اختاروا النظر، كما لا يجوز للناظر أن يحتج بأن صاحب العورة هو الذي كشفها.
كل شخص يتحمل إثم فعله.
وإذا تسبب شخص في نشر المعصية وإغراء الآخرين بها، فقد يلحقه من الوزر بقدر ما تسبب فيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعُمل بها بعده، كُتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء».
ولهذا ينبغي الحذر من تعمد نشر المحتوى المحرم أو التسبب في انتشاره.
تاسعًا: ماذا لو كان صاحب العورة يريد أن ينظر الناس إليه؟
حتى لو تعمد شخص كشف عورته وأراد من الآخرين أن ينظروا إليها، فهذا لا يجعل النظر إليها مباحًا.
فكون صاحب المعصية راضيًا بفعلها لا يعني أن الآخرين أصبحوا مأذونين في المشاركة فيها.
ولهذا ينبغي للمسلم أن يغض بصره، حتى لو كان الشخص الآخر لا يمانع في النظر.
عاشرًا: ماذا يفعل من وقع بصره على العورة دون قصد؟
هناك فرق بين النظر العارض غير المقصود وبين النظر المتعمد.
فإذا وقع بصر الإنسان على شيء محرم فجأة، فالواجب عليه أن يصرف بصره وألا يستمر في النظر.
أما أن يتعمد إعادة النظر أو الاستمرار في المشاهدة، فهذا يدخل في النظر المحرم.
وقد يتعرض الإنسان لمثل هذه المواقف في الحياة اليومية أو عبر الإنترنت، والمطلوب منه أن يبادر إلى غض بصره وعدم الاستمرار.
الحادي عشر: متى يجوز النظر إلى العورة؟
قد توجد حالات تدعو إليها ضرورة أو حاجة معتبرة، مثل:
- العلاج والتشخيص الطبي.
- إجراء عملية جراحية.
- رعاية مريض لا يستطيع خدمة نفسه.
- بعض حالات الاستنجاء أو الرعاية التي لا يمكن القيام بها دون ذلك.
لكن الإباحة في هذه الحالات تكون بقدر الحاجة، فلا يجوز التوسع في النظر إلى ما لا تدعو إليه الضرورة.
الفرق بين النظر العابر والنظر المتعمد
| الحالة |
الحكم |
| وقوع النظر على العورة دون قصد |
يصرف بصره ولا يستمر |
| تعمد النظر إلى العورة |
محرم |
| النظر بشهوة أو بقصد التلذذ |
أشد إثمًا |
| تكرار النظر والإصرار عليه |
أشد خطرًا |
| النظر للعلاج عند الحاجة |
جائز بقدر الحاجة |
| التجسس على عورات الناس |
محرم |
| مشاهدة محتوى يظهر العورات عمدًا |
لا تجوز |
| تعمد نشر هذا المحتوى |
إثم إضافي لما يترتب عليه من نشر المنكر |
هل مجرد النظر يجعل الإنسان من أهل الكبائر؟
لا يصح التسرع في الحكم على كل حالة من النظر المحرم بأنها كبيرة دون تفصيل.
فمسألة الكبائر فيها تفصيل عند أهل العلم، كما أن الذنب قد تختلف خطورته بحسب القصد والإصرار والظروف والآثار المترتبة عليه.
لكن النتيجة العملية واضحة:
النظر المتعمد إلى عورة الغير محرم، ولا يجوز للمسلم أن يتساهل فيه أو يعتاد عليه.
وإذا وقع الإنسان في ذلك، فعليه أن يقطع النظر، ويستغفر الله، ويتجنب الأسباب التي تدفعه إلى العودة إليه.
والله أعلم.