الفضل عند الله يكون بالتقوى
من المهم أولًا أن نفرق بين الفضل في المنزلة عند الله وبين التفضيل في بعض الخصائص والوظائف.
أما الفضل في الكرامة والمنزلة والثواب عند الله، فليس مبنيًا على كون الإنسان رجلًا أو امرأة، وإنما على الإيمان والتقوى والعمل الصالح.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
[الحجرات: 13]
فالآية جعلت التقوى معيار الكرامة عند الله، ولم تجعل الذكورة أو الأنوثة معيارًا لها.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[النحل: 97]
وقال سبحانه:
﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾
[النساء: 124]
فالرجل والمرأة يشتركان في أصل التكليف والجزاء، والفضل الحقيقي عند الله يكون بما يحمله القلب من إيمان وما يظهر على الجوارح من عمل صالح.
إذن ماذا يعني تفضيل الرجال؟
التفضيل في النصوص الشرعية ليس دائمًا بمعنى أن الشخص أو الجنس أصبح أعلى منزلة عند الله.
فقد يفضل الله شخصًا أو جنسًا في خصيصة معينة أو وظيفة معينة أو قدرة معينة، دون أن يعني ذلك أنه أفضل عند الله في كل شيء.
ومثال ذلك أن الله تعالى قال:
﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾
[النحل: 71]
فالغني مفضل على الفقير في المال، لكن هذا لا يعني أن كل غني أفضل عند الله من كل فقير.
فقد يكون الفقير أكثر تقوى وإيمانًا، وبالتالي أعلى منزلة عند الله.
وهذا يوضح لنا أن التفضيل في أمر معين لا يساوي بالضرورة التفضيل المطلق.
ماذا عن قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾؟
القوامة التي جعلها الله للرجال ليست إعلانًا بأن كل رجل أفضل من كل امرأة، وإنما هي مسؤولية وتكليف يتعلق بإدارة الأسرة ورعايتها والإنفاق عليها وحمايتها.
وقد ربط الله القوامة في الآية بأمرين:
﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
أي أن هناك خصائص جعلها الله في الرجال في الجملة، وتناسب المسؤوليات التي كُلّفوا بها، إضافة إلى ما أوجب عليهم من النفقة.
فالقوامة ليست امتيازًا بلا مسؤولية، وإنما معها تكليف ومحاسبة وواجبات.
والرجل مطالب بالإنفاق والرعاية والحماية والقيام بمصالح الأسرة، ولذلك لا يصح فهم القوامة على أنها مجرد سلطة أو تفوق مطلق.
هل يعني ذلك أن كل رجل أفضل من كل امرأة؟
لا.
فالتفضيل هنا متعلق بالجنس في الجملة وبعض الخصائص والوظائف، وليس بحكم على كل فرد بعينه.
فقد تكون امرأة أكثر علمًا أو عبادة أو تقوى من رجل، وقد تكون عند الله أعلى منزلة منه.
وقد ضرب القرآن أمثلة عظيمة لنساء بلغن منزلة رفيعة بالإيمان والصبر والطاعة.
ومن ذلك مريم عليها السلام، التي قال الله تعالى عنها:
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾
[آل عمران: 42]
كما أن الإسلام لم يجعل مجرد كون الإنسان رجلًا سببًا في دخوله الجنة أو ارتفاع درجته فيها، وإنما جعل ذلك مرتبطًا بالإيمان والعمل.
والنساء لهن خصائص وفضائل أيضًا
كما خص الله الرجال ببعض الخصائص والمسؤوليات، فقد خص النساء بخصائص عظيمة، مثل الحمل والولادة والرضاع والأمومة.
ولهذا عظّم الإسلام حق الأم، فقال النبي ﷺ عندما سُئل: من أحق الناس بحسن صحابتي؟
قال:
«أمك»
قيل: ثم من؟
قال:
«أمك»
قيل: ثم من؟
قال:
«أمك»
قيل: ثم من؟
قال:
«أبوك»
متفق عليه.
فهذا يدل على أن اختلاف الخصائص لا يعني أن أحد الجنسين بلا فضائل أو أن الآخر بلا مسؤوليات.
الاختلاف لا يعني الانتقاص
من المهم ألا نفهم الفروق بين الرجال والنساء على أنها صراع أو انتقاص من أحدهما.
فالشرع أثبت وجود فروق في بعض الأحكام والخصائص، لكنه في الوقت نفسه جعل كرامة الإنسان عند الله مرتبطة بالتقوى.
والرجل والمرأة في الأسرة ليسا خصمين يتنافسان على من هو الأعلى، وإنما لكل منهما مسؤوليات وحقوق وواجبات.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾
[النساء: 32]
فالواجب أن يعرف كل إنسان فضل الله عليه، ويقوم بما كلفه الله به، ويسأل الله من فضله، بدل أن يجعل اختلاف الخصائص سببًا للحسد أو التنازع.
الخلاصة
يمكن تلخيص المسألة في نقطتين:
أولًا: إذا كان المقصود بالتفضيل المنزلة عند الله والثواب والكرامة، فليس الرجل أفضل من المرأة لمجرد كونه رجلًا، ولا المرأة أفضل من الرجل لمجرد كونها امرأة؛ وإنما الميزان هو الإيمان والتقوى والعمل الصالح.
ثانيًا: إذا كان المقصود بالتفضيل بعض الخصائص والوظائف والأحكام، فهذا ثابت في الشريعة، ومنه قوامة الرجل على الأسرة وما يرتبط بها من الإنفاق والرعاية والمسؤولية، ولا يلزم من ذلك أن يكون كل رجل أفضل عند الله من كل امرأة.
لذلك لا تعارض بين قوله تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
وبين قوله تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾
فالأولى تتحدث عن ميزان الكرامة عند الله، والثانية تتحدث عن القوامة والخصائص والمسؤوليات الأسرية.
فالاختلاف في الوظائف لا يعني اختلافًا في أصل الكرامة، والتفاضل الحقيقي عند الله يكون بالتقوى والعمل الصالح.
والله أعلم.