الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً:
ذكر الفقهاء رحمهم الله أنه يجوز إتلاف أوراق المصحف إذا بليت أو تلفت، وقد بيّنوا عدة طرق للتخلص منها، وذكروا أربع وسائل لذلك:
الطريقة الأولى: إحراق المصحف حتى يتحول إلى رماد. وقد أجاز هذه الطريقة المالكية والشافعية والحنابلة، بينما منعها الحنفية.
واستدل من أجاز الإحراق بما ثبت عن عثمان رضي الله عنه عندما جمع المصحف الإمام وأرسل نسخه إلى الأمصار، حيث أمر بإحراق ما سواه من المصاحف، وقد وافقه على ذلك جمهور الصحابة.
أما الحنفية فاستدلوا بما رُوي عن أبي موسى الأشعري أنه قال عندما أُتي بكتاب: "لولا أني أخشى أن يكون فيه ذكر الله لأحرقته". لكن هذا الاستدلال نوقش بأن هذا اجتهاد من أبي موسى خالفه فيه أكثر الصحابة.
الطريقة الثانية: دفن المصحف في مكان طاهر ونظيف بعيد عن أماكن المشي والقمامة. وقد ذكر هذه الطريقة الحنفية والمالكية والحنابلة، بينما توقف بعض الشافعية فيها خشية أن يُوطأ موضعه بالأقدام.
واستدل القائلون بجواز الدفن بما ورد عن عثمان رضي الله عنه أنه دفن المصاحف بين القبر والمنبر.
الطريقة الثالثة: الغسل، أي إزالة الحبر من الورق بالماء حتى تختفي الكتابة. وقد أجاز هذا الأمر فقهاء المذاهب الأربعة.
ويستدل لذلك بما جاء في بعض روايات قصة إتلاف عثمان للمصاحف بعد جمع المصحف الإمام، حيث ورد أنه قام بغسلها. كما ورد في رواية أخرى أنه كتب إلى أهل الأمصار قائلاً إنه محا ما عنده وطلب منهم أن يمحوا ما عندهم كذلك.
وقال ابن حجر رحمه الله إن لفظ المحو يشمل الغسل أو الإحراق، وإن أغلب الروايات صرحت بالإحراق، لكنه لا يمنع أن يكون كلا الأمرين قد حدث بحسب ما رآه من كان لديه شيء من تلك المصاحف. وقد ذكر القاضي عياض أنهم غسلوا المصاحف بالماء ثم أحرقوها.
الطريقة الرابعة: تمزيق المصحف، وقد ذهب إلى جواز ذلك بعض فقهاء الشافعية.
واستدلوا على ذلك بما ورد في قصة جمع عثمان للمصحف، حيث أمر بإتلاف ما سواه من المصاحف. وقد ورد في بعض الروايات لفظ "يخرق" أي يُمزق. وقد نقل ابن حجر أن هذه الرواية ثابتة، وأن التمزيق قد وقع بالفعل في عهد الصحابة.
ومن الأدلة أيضاً ما رواه مصعب بن سعد أنه أدرك الناس عندما قام عثمان بتمزيق المصاحف، فلم ينكر أحد ذلك بل استحسنوه. كما ورد أن مروان بن الحكم طلب الصحف التي كانت عند حفصة رضي الله عنها بعد وفاتها فمزقها خشية أن يخالف شيء منها ما جمعه عثمان.
ثانياً:
أما حكم تمزيق أوراق المصحف باستخدام آلة تقطيع الورق (الفرّامة)* فهذه الآلة نوعان:
النوع الأول: آلة تقطع الورق على شكل شرائح طولية. وهذا النوع لا يجوز استخدامه لتقطيع أوراق المصحف؛ لأن بعض كلمات القرآن قد تبقى ظاهرة مثل لفظ الجلالة أو أسماء الله الحسنى، مما قد يؤدي إلى امتهانها إذا أُلقيت في القمامة. إلا إذا تم بعد التقطيع إحراق هذه الشرائح، فلا حرج حينئذ.
النوع الثاني: آلة تقطع الورق طولاً وعرضاً إلى أجزاء صغيرة جداً بحيث تختفي الكلمات والحروف تماماً. وهذا النوع يجوز استخدامه لإتلاف أوراق المصحف.
والسبب في جواز ذلك أنه لم يرد في الكتاب أو السنة أو الإجماع تحديد وسيلة معينة لإتلاف أوراق المصحف، مما يدل على أن الوسيلة متروكة للاجتهاد، بشرط أن يتم الإتلاف دون امتهان للمصحف. فإذا كان القصد من التقطيع هو حفظ حرمة المصحف ومنع تعرضه للامتهان، فإن ذلك جائز.
وقد أفتى بجواز ذلك الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين وغيرهما من المعاصرين.
فقد سُئل الشيخ ابن باز عن تمزيق الأوراق التي تحتوي على آيات من القرآن، فأجاب بأنه إذا مُزقت تمزيقاً دقيقاً بحيث لا يبقى فيها شيء من ذكر الله فلا حرج، أما إذا بقيت الآيات ظاهرة فلا يكفي ذلك، بل تُدفن أو تُحرق.
كما ذكر الشيخ ابن عثيمين أن التمزيق يمكن أن يكون وسيلة ثالثة بعد الحرق والدفن، لكنه صعب لأن التمزيق يجب أن يزيل جميع الحروف والكلمات، إلا إذا وُجدت آلة تمزق الورق تمزيقاً دقيقاً جداً بحيث تختفي الحروف تماماً.
وسُئل أيضاً عن الآلات التي تفرم الورق حتى لا تُقرأ الكلمات، فأجاب بأنه لا بأس باستخدامها إذا كانت تقطع الورق قطعاً صغيرة جداً بحيث لا يظهر فيها أي حرف، أما الآلات التي تجعل الورق شرائح طويلة فقد تبقى فيها بعض الكلمات فلا تصلح لهذا الغرض.
وكذلك أكد الشيخ ابن جبرين ضرورة احترام أسماء الله تعالى وما ورد في الأوراق من آيات أو ألفاظ مقدسة، فلا يجوز رميها مع القمامة، بل يجب إتلافها بطريقة تحفظ حرمتها، مثل الحرق أو التقطيع الدقيق بآلات خاصة.
المصدر: موقع سؤال جواب الاسلام